تسجيل
مراجعة كتب, مميز

مديح الكراهية _ خالد خليفة 3.5/5 (1)

وقت القراءة : 6 د
قُرِأ النص 1939 مرة
0 تعليقات

أدبُ السّجون ، أدبٌ شبهُ تأريخي لحقبٍ من الزّمنِ خاضت فيها البلاد أصعبَ مراحلها ، أو كانت بداية شرارةٍ لتاريخٍ أكثرَ دمويّة .

عندما انتهيتُ من قراءةِ الرّواية شعرتُ باللّاجدوى من صراعاتٍ محسومةِ النّتائج لصالحِ طرفٍ يمتلكُ كلّ أسبابِ النّصر على فكرةٍ ما تحاولُ أن تثبت ذاتها .

“كم هو قاسٍ حين يأتي من يطالبك بثمن بطولةٍ ولا تجد شيئاً تدفعه سوى الإذعان لرأيٍ تعرف أنَّ السّجن حوَّله إلى باطل”

ربّما ما أوصلهُ لي خالد خليفة عبر هذه الرّواية من شجن ، وبؤس بسبب اليأس الذي سيطر على الشّخصيّات وتخلّيها عن رحلتها في تحقيق ما تريد جعلني أدورُ حولَ نفسي ، وأفكّرُ بأدواتنا في صراعاتٍ كهذه .

“ما أصعب أن تكون حياتك مجموعة استعارات غير حقيقيّة , قضيت كل هذا الزّمن تؤمن بما يريده الآخرون لك أن تؤمن به , اختاروا لك اسماً يجب أن تحبّه وتدافع عن وجوده , كما اختاروا لك إلهاً تعبده وتقتل من يخالفك الرّأي بجماله, تحمل عصاك , تهشّها بأوامر إلهيّة على رؤوس الذين أسميتهم بالكفرة , فيما بعد يخرج الرّصاص جوقات ليصبح الموت حقيقة ” .

أُهِّلَ الكاتب خالد خليفة للحصول على الجائزة العالميّة “بوكر” للرّواية العربيّة عن روايته ” مديح الكراهية ” التي صدرت عام 2006 م و تُرجمت لثمان لغاتٍ عالميّة منها : الإنكليزيّة والفرنسيّة .

لا يُمكن تصنيفها فقط لأدب السّجون لأنَّ فترةَ السّجنِ تعادل بقيّةَ أحداثِ الرّواية فيُمكن أن قول أنّها سياسيّة أيضًا رفضَ فيها الكاتبُ التّطرّفَ كما رفضَ النّظام  الحاكم.

ما علاقة المديح بالكراهية التي كادت أن تقضي على سوريا في فترةٍ احتدم فيها الصّراع بينَ الأصوليين والنّظام المتمترسِ خلفَ حدودٍ رسمها للشّعب  وحكم عليهم بعَدَمِ تجاوزها حفاظًا على سلطانه العسكري وسيادته البعثيّة ؟

تبدأُ الرّوايةُ من أحدِ بيوتِ حلب ، جامعةً كُلّ أطرافِ النّزاع في هذا البيت الذي يحتوي الصّوفي ، والأصولي ، واللّا مبالي الرّافض لأيّ طرف ونلحظُ هذا من خلال تصرّفات الشّخصيّات وميولهم .

يتدرّجُ خالد خليفة بسردِ تفاصيلِ تلكَ الحقبة عبرَ مراحلِ حياة البطلة انطلاقًا من انتمائها للجماعةِ واللّقاءات السّرّيّة ،مُبيّنًا أسباب الكراهية المتعلّقة بالهويّة وقمعِ أصحابِ الانتماءات البعيدة عن الحزب الحاكم ،ذاكرًا تفاصيلًا كانت أشبه بالمألوف لكن بسبغةٍ مميّزة .

ينتقل الصّراع إلى العلَن عندما قرّرَ النّظام القضاء على هذه الحركة ،فاستخدمَ قبضَتهُ الحديديّة .

“أصبح الأحياء منشغلين بالحفاظ على حياتهم أكثر من تبجيل ذكرى الميتين في مدينة كانت تحيط الموت باحترام بالغ به !”

في هذا الجزءِ بالذّات من الرّواية عندما يصلُ الكاتب لاحتدام الصّراع واقترابِ النّظام من القضاء على الحركة ، لا يمكنك أن تمسكَ قلبكَ أمامَ عذابِ الأمّهاتِ اللّواتي يقفنَ طوابيرًا أمام السّجن يشحذنَ أبناءهنَّ دونَ أن يعلمنَ أنّهم أصبحوا في المقبرة الجماعيّة التي أعدّها الحاكم لضحاياه .

“من أقسى الأشياء أن يتحمّل غيرك عذاب انتمائك !”

تنتقلُ أحداثُ الرّواية مع البطلةِ إلى السّجن  الذي كانَ رحمًا ولدت فيه بهيئةٍ روحيّة أخرى غير التي كانت “السّجن يحيلك إلى كائن لا يعترف بالمرئيَّات ويمنحك فرصة كي تعيد تشكيل الخارج كما تشتهي ، يمنحك قوة عدم الاعتراف بآلام بشر عاديّين يتأبّطون أذرع بعضهم في الشّوارع ويفصفصون البزر قرب المدافئ”

بدأت معالمُ التّطور في شخصيّتها ، إذ بدأت تنحلُّ عقدةُ ارتباطها مع الجماعة شيئًا فشيئًا ، ابتداءً من اللّباس وانتهاءً بالمبادئ وذلكَ  عندما انتقلت إلى لندن .

“الحياة دوماً تمنحك فرصاً رائعة للسّخرية من أعدائك إن استطعت الخروج حيًّا من بين أيديهم”

اقرأ أيضاً لعائشة المصري: الهويّات القاتلة

الشّخصيّات :

متنوّعة ، أظهرَ الكاتب براعتهُ وامتيازه في سبرِ أغوارها ووصفها ، ومراحلِ تطوّرها .

فنجدُ منها :

صفاء الرّافضة للجماعة  كيفَ تتحوّلُ تدريجيًّا إلى تابعةٍ لهم ، ومدافعة عنهم بسبب حبّها لأحد القادة وزواجها منه .

أمّا مروة فقد تصاعدت عندها فكرة الرّفض للطّرفين بسبب حبّها للضّابط الذي انشقّ بدوره عن الجيش .

اللّغة والأسلوب :

اللّغة عالية ، يميلُ فيها الكاتبُ إلى تصويرِ معالم الرّوح الإنسانيّة التي تخضعُ لموجاتِ الزّمن المتقلّبة بطريقةٍ ذكيّة عبرَ السّرد المترابطِ .

ملاحظة : الرّوايةُ ليسَت من الرّوايات التي تُقرَأ دونَ أن تتركَ أثرًا في نفسِ القارئ لا سيما أنَّ الكاتب يريدُ أن يؤجّجَ نارَ الحقدِ والثّورة ضدَّ نظام الدّيكتاتور البعثي ، وقد يستصعبُ قراءَتها من لا يهتمُّ بالتّاريخ السّياسي  ولكنّها كعمل أدبي جميل ورصين جدًّا رغمَ الحزنِ الذي يمتدُّ من أوّلها إلى آخرها .

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة عائشة المصري

عائشة المصري

لن أعرّفَ عن نفسي بكلمة " كاتبة " أو " أديبة " أو " مفكّرة" فأنا أكره عباءَةَ الألقاب الفضفاضة ،و ما زلتُ أعبثُ بالكلماتِ كطفلٍ يُدهشهُ ظلّه ويخيفه ،وما زلتُ دونَ الالقاب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *