تسجيل
مراجعة كتب, مميز

العمى – خوسيه ساراماجو 4.5/5 (1)

وقت القراءة : 7 د
قُرِأ النص 5072 مرة
5 تعليقات

 

 لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان، عميان يَرَوْن ،بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يَرَوْن

خوسيه ساراماجو.

” لم تتحرك سيارته رغم الضوء الأخضر ، تعالت الأصوات من حوله : تحرك !

صرخ بهم : لم أعد أرى ، لقد عميت ! إنني أعمى!”

بهذا المشهد يستفتح ساراماجو روايته (العمى)، مباشرة بدون مقدمات يأخذنا الى قلب الحدث، حالة العمى المفاجئ تنتقل كعدوى مرضية بين المواطنين باستثناء زوجة طبيب العيون !!، تتخذ (الحكومة) إجراءات احترازية، فتجمع المصابين ، او من قد يحملون العدوى في مستشفى مهجور للأمراض العقلية، تتخذه (محجراً صحياً) يخلو من كل الشروط الإنسانية للحياة، فخوفاً من انتقال العدوى ، سيتولى العميان خدمة أنفسهم بأنفسهم، و تتوالى شروط هي أشبه بعقوبات من قبل الجنود الذين يتولون حراسة المحجر.. فعلى العميان أن يأتوا لتسلم صناديق و حصص الطعام التي لا تكفي أصلاً ، و التي لا يَرَوْن و لا يعرفون مكانها في ساحة المشفى!

وعليهم أن يتكيفوا لقضاء حاجتهم في مراحيض مهجورة تنبعث منها رائحة نتنة، ولا حاجة للحديث عن الماء البني الصدئ الذي تنزّه صنابير معدنية مهترئة.

ومن عاجلته منيته، فعلى العميان دفنه!!

الرجل الأعمى الأول و زوجته ،الفتاة ذات النظارة السوداء ، الطفل الأحول، الكهل ذو العين المعصوبة، طبيب العيون و زوجته التي ادعت العمى لترافق زوجها! …الرجل الذي سرق الأعمى الأول حين حاول مساعدته..

هم أول المحتجزين في تلك المكرهة الصحية، باسم المصلحة العامة!

على امتداد صفحات الرواية الثلاثمئة و ثمانين صفحة، لا تجد اسماً واحداً لأي من شخصيات الرواية، فحالة العمى العام قد سلبت الأسماء وظيفتها ،




 ما اسمك؟

– لا يحتاج العميان الى اسم، فأنا صوتي و كل ما عداه لا يهم

وحدها زوجة طبيب العيون من نجت من الوباء، وحدها من تحملت رؤية قذارة المكان و انحطاط الكرامة الإنسانية، سعياً للبقاء، وحدها من شاهدت الجندي المكلف بالحراسة يقتل رجلاً أعمى لانه تجاوز الحد المسموح له بالبقاء فيه و طالب بشئ من الرعاية الصحية ليوقف نزف فخذه، بعد أن طعنته الفتاة المومس ذات النظارة السوداء، بعد أن تحرش بها و هو أعمى!

لم يعمد ساراماجو الى رسم صورة مثالية لمجتمع العميان ذاك ، فالصورة المعهودة عن الأعمى مشرقة تدفع الى التعاطف معه!

لكن بما أن العمى الذي تعالجه الرواية ، يتعدى حالة العمى البصري، ليكون عمى بصيرة و قيم و كرامة، عمىً يبرر الظلم بدعوى استمرارية النظام!

التعامي عن منظومة القيم الإنسانية حيث يبرر القتل و انتهاك الحقوق حتى في مجتمع العميان نفسه، لتترك جثة رفيقهم تتحلل و لا تجد من يتكرم عليها بدفنها، فلا وقت لديهم، فها هم في ركن قُصي في غرفتهم، يتباحثون فيما بينهم، إن كان من الأولى أن يدفنوا زميلهم، أم يتناولوا غداءهم !! لترجح كفة الخيار الثاني !!

تلقي السوداوية بظلالها على أحداث الرواية، معرية النفس البشرية، حين تسود (الأنوية) وتصبح المكيافلية سيدة الموقف ، حين يتحول مجتمع العميان في المصح، الى مجتمع استبدادي ،يتحكم فيه مجموعة من (البلطجية العميان) و يفرضون ضرائب على الجميع بعد أن استولوا على حصص الطعام!

ولم يكتفوا بذلك ، فطالبوا بالنساء!!

قد يكون مشهد الاغتصاب الجماعي ، من أقسى مشاهد الرواية، ولكن ما يفوقه اشمئزازاً تبرير باقي العميان المستضعفين، لإرسال نسائهم الى المتنمرين العميان، لا يهم الثمن الذي سيقدمونه ، المهم أن تمتلأ معدتهم بالطعام!! وحدها زوجة الطبيب المبصرة، من دافعت عن النسوة المغتصبات، فتلوثت يداها بدماء زعيم العصابة، بعد أن قتلته بمقص كان في حقيبتها، لكن قتله لم يوقف الظلم، فانتقل المسدس الذي كان بحوزة الزعيم، الى كفيف اخر فرض سطوته، بإطلاق الرصاص جزافاً ، فكانت مجزرة بين العميان!

تبدو المفارقة ، غاية المفارقة من موقف باقي الرجال العميان، الذي توعدوا من تجرأ على قتل الزعيم الذي اغتصب نساءهم، لأن فعلته (قلقلت أمن و استقرار المصح) و حرمتهم من حصتهم في الطعام !!!

العمى أن تفقد انسانيتك لتفهم موقفهم، ” يجب أن تعمى هي أيضاً كي تفهم أن الناس يتعودون أي شئ لا سيما عندما يكفون عن كونهم بشر ”

لقمة العيش هي الهم الاول في مجتمع العميان ذاك، الذي لا يفترق ابدا عن مجتمعنا!

الرواية بكل الرمزية التي تحملها بين طيات صفحاتها، ما هي الا نقد صارخ لحالة الضياع القيمي و الأخلاقي، نقد سياسي لحالة عمى القانون ، و استبدادية الأنظمة الشمولية التي تجرد الفرد من ذاتيته الفردية، و يصبح جزء من (القطيع) لا يرى الا ما يُراد له رؤيته، ولا يتبنى من الفكر الا ما يملى عليه!! حالة عمى فكري و انساني!!

الأنظمة الشمولية لا قيمة للفرد فيها ، يتشابه الجميع، هم مجرد رقم كما في رواية جورج اورويل ١٩٨٤ .. أو هم عميان بلا أسماء كما هم في روايتنا هذه ، الخوف هو من يقود الجموع (قد يسبب الخوف العمى و في اللحظة التي عمينا فيها، أعمانا الخوف ، وسوف يبقينا الخوف عميانا)

لكن الطوفان إن عّم ، فلن يرحم احداً، لا رؤساء و لا مرؤوسين.. فالعمى قد عمَّ الجميع !!

بيد ان ساراماجو بعد ان اجرى صنوف المعاناة ، كمرحلة تطهّر روحي و نفسي لمجتمع العميان، قد أعاد البصر للجميع في نهاية روايته … فمازال يؤمن بالإنسان ..يؤمن بالأمل

(فالعمى هو أيضا أن تعيش في عالم انعدم فيه الأمل)

 

اقرأ\ي أيضاً:

 

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

‏5 رأي حول “العمى – خوسيه ساراماجو”

  1. عائشة المصري
    عائشة المصري يقول:

    صفّقتُ لمن كتبَ المراجعة مرّتين لجمالها ،رائع 🙂

  2. سارة ضبلط
    سارة ضبلط يقول:

    بدأت بقرائتها وتشجعت أكثر شكراً

  3. Ahmad Khalidi
    Ahmad Khalidi يقول:

    من أجمل الروايات التي قرأتها بالقطع وأنصح بها للجميع..شكرا على المراجعة المهمة كذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *