تسجيل
مراجعة كتب, مميز

ساق البامبو

وقت القراءة : 8 د
قُرِأ النص 10944 مرة
3 تعليقات

لماذا حكمنا على أنفسنا بالانغلاق؟ أينَ يمكن أن نجد مفتاحَ ضمائرنا ؟ ولماذا جذور الجاهليّة ضاربة بنفوسنا وملامح مجتمعنا لهذه الدّرجة ؟

لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءًا من ساقها، نغرسه بلا جذور في أيّ أرض.

 لا يلبث السّاق طويلاً حتّى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماضٍ.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف النّاس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت.. أو بامبو في أماكن أخر.”

من هذهِ الفكرةِ المستحيلة “الهويّة” انطلقَ الكاتب السّعودي ((سعود السنعوسي)) في روايته ” ساق البامبو” الصّادرة عام 2012 ، الحاصلة على الجائزة العالمية “بوكر” للرّواية العربيّة ، وتمّ تحويلها لمسلسل عام 2016 م.

روايةٌ داخلَ رواية أثارت الكثيرَ من الجدل حولَ فكرة أهي مُترجمة أم من إبداع الكاتب ذاته ؟ أهي خياليّة أم واقعيّة ؟

إذ أوهمَ الكاتبُ القُرّاء بأنَّ هذه الرّواية مترجمة عن الفلبينيّة، ثمّ توضّحَ أنّها حبكة دراميّة مثيرة للدّهشة استخدمها الكاتب ليجذبَ النّاس وهي في الحقيقة أسلوب قليلًا ما نراه .

فيأتي ردّ الكاتب في إحدى اللّقاءات الصّحفيّة ليوضّح : ” لا هي واقعيّة ولا هي خياليّة؛ لأنّني لو قلتُ لك إنّها واقعيّة ألغيتُ جهودي الإبداعيّة، ولو قلتُ لك خياليّة لا يصدّقني القارئ وأكون بذلك قد قدّمتُ شخصيّات ورقيّة لا روح فيها “

جاءَت هذه الرّواية المذهلة لتدحضَ فكرةَ أنَّ للأدبِ النّاجح قاعدة محدّدة وأنّ للإبداعٍ أُطُرًا لا يمكن تجاوزها حيثُ استغرقت كتابتها سنة واحدة كما جاءَ على لسانِ الكاتب، ولكنّه بالمقابل تقمّصَ الشّخصيّة بكلّ أبعادها النّفسيّة والحياتيّة حتّى أنّه سافر إلى الفلبين ليدرس طبيعة الحياة الاجتماعية ويصطاد المشكلات التي يواجهها الفلبينيّون وقد بدا ذلك واضحًا حينَ قصَّ علينا بعض الخرافات المتداولة في ” ميندوزا”، والفقر المدقع الذي يصيبُ النّاس هناك ويدفعهم للخروج من بلادهم أو ليسلكوا طرقًا سيّئة .

أرادَ السّنعوسي أن يرى بعينِ الآخر، ويجرّب شعوره ولم يُبرّئ نفسه من النّظرةِ التي كانت تنفره من الآخر الثّنائي الهويّة الذي يعاني من مأزق الهويّة والبحث عنها من قبلِ الفرد والجماعة ، وقد اصطاد الفكرة من موقفٍ واقعيّ تعرّض له أحد هؤلاء الأشخاص ثنائيّي الهويّة في الجامعة التي كان يدرس فيها.

تحدّث عن العمالةِ الأجنبيّة بلهجةٍ معاتبة ثائرة وخجولة مخاطبة لضميرِ الإنسانِ عامّة، والخليجيّ خاصّة .

أحداثُ الرّواية:

تدور أحداث الرّواية في جغرافيتينِ مختلفتين وتعبرُ زمنينِ الفاصل بينهما هو ما عاشه “هوزيه” أو “عيسى راشد الطّاروف” قبل أن يأتي إلى الكويت .

تبدأُ القصّة عندما تنتهي أحلامُ “جوزافين” الفتاةُ الفلبينيّة بأن تصبح خادمةً في بيت “الطّاروف” العائلة الثّريّة ذات السّمعة الطّيبة والشّهرةِ الواسعة في محيطها.

وهذه العائلة لم تكن سوى مرآةٍ عكست صورةَ مجتمعٍ عنصريّ بأكمله لم تتغيّر ملامحه على الرّغمِ من هرمِ أفكاره، فبرزت الطّبقيّة بدايةً عندما رفضت العائلة تزويج ابنها من الفتاة التي يحبّها ، وتزويج ابنتها من الرّجل الذي اختارته بسبب فقدانه للهويّة .

فكانت ردّةُ فعلِ الابن (راشد ) أنّهُ تزوّجَ سرًّا من “جوزافين” الخادمة الفلبينيّة التي لن يشفع لها كونها إنسانٌ أن تصبح فردًا من عائلةٍ عربيّةٍ لها مكانتها في المجتمع، رفضَت العائلة هذا الواقع الذي فُرِضَ عليها وتمّ طردُ الابن وزوجته بعد أن كان الحملُ سببًا في كشفِ الحقيقة.

لم تشفع ولادةُ عيسى لوالده، ولم يرقّ قلبُ الجدّة على حفيدها الذي أخذ ملامح أمّه بدلًا من ملامحِ أبيه العربي.

تركت جوزافين الكويت، مات راشد بعد أن تزوّج فتاة بناءً على رغبةِ أمّه ، وعادَ “عيسى” إلى الكويتِ محمّلًا بأحلامٍ كثيرةٍ وكان أوّل ما افتقدهُ هو لقبُ العربي الذي كانَ ينادونه به أبناء منطقته في “مندوزا” البلدة الفلبينيّة التي استقى ثقافتها الشّعبيّة والتي أخذ ملامحَ أهلها وعاداتهم واختلف عنهم فقط بأنّه ثنائيّ الهويّة ، مقسومٌ لطرفين متنافرين يأبيا التّجانس.

هنا نشعر مدى الاهتزاز الشّعوريّ ففي الفلبين يعترفونَ به عربيّا، وفي الكويت يعتبرونه فلبينيًّا ، ماذا لو انقلبت الأدوار ونادوه هنا : العربي، وهناك: الفلبيني .

أما هنا، فإنّ أوّل ما افتقدته هو ذلك الّلقب إلى جانب ألقابي وأسمائي الأخرى، لأكتسب لاحقا لقبا جديدا ضمته الظّروف إلى جملة ألقابي، وكان ذلك اللقب هو .. الفلبيني. لو كنت فلبينيا هناك.. أو هنا .. لو تنفع كلمة لو.. أو.. ليس هذا ضروريا الآن

تعرّف عيسى راشد الطّاروف على صديق والده، ثمّ على عمّته هند التي أصبحت تدافع عن حقوق الإنسان في مقالاتها ولقاءاتها بسبب ما حصل معها ومع أخيها، وأخته خولة الّذين حاولوا مساعدته بشتّى الطّرق بأن يكون فردًا مقبولًا في العائلة ، لكن الجدّة أبت ذلك وكانَ يؤرّقها دائمًا شكلُ وجهه ويجعلها في انهيارٍ تام صوته لأنّه أخذ صوتَ والده .

تُعرّف خولة أخاها على مشروع والدها الذي لم يكتمل أي الرّواية ، بدأ عيسى يكتبها بالفلبينيّة ويستعين بالترجمة بصديق والده وأخته بعد أن عاد إلى الفلبين محمّلًا بخيبة الرّفض لهذه الهويّة الثّنائيّة وتمّت روايةُ والده ولكن بقي عيسى هو “خوسيه” في الكويت، و”عيسى” في الفلبين .

الأسلوب واللّغة :

أسلوب الرّواية سرديٌّ، حكائيٌّ فريدٌ، يعتمدُ على التّصوير البصري الدّقيق الذي يوضّح مدى ذكاءِ عينِ الكاتب في التقاطِ الصّور المحيطة، ومدى عمقه في سبر أغوارِ الشّخصيّات .

 

قصّتي مع الرّواية :

قبلَ أن أقرأ هذه الرّواية كنتُ أتجوّلُ في شوارع بيروت وأرى الوجوه الغريبة الفلبينيّة وغيرها، وأستغرب من وجود عدد لا بأس به من الجمعيّات التي تدافع عنهم .

وكنتُ أتساءَل ما الذي يمكنُ أن يعانيه هؤلاء في مجتمعنا؟ وكيفَ لي أن أتحرّر من نظرة الأنا والآخر؟

إلى جاءَت رواية ساق البامبو لتقوّم عوجَ الإنسانيّة في نفسي، ولتجيبَ عن أسئلةٍ كثيرةٍ كانت تدور في رأسي حولَ هؤلاء النّاس وما قد يشعرونَ به من ألمٍ بسبب مغادرة بلادهم، وما الذي سقط منهم في مطارات الوداع التي يأتونها تحتَ وطأة الفقر.

ولترسمَ ملامح الإنسانيّة في أبسط وأعمق صورها .

لكن بقيَ السّؤال المعلّق، من أنا لدى الآخر؟ وما الآخر لدي؟ كيفَ نخرج من مأزق الهويّة ؟

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة عائشة المصري

عائشة المصري

لن أعرّفَ عن نفسي بكلمة " كاتبة " أو " أديبة " أو " مفكّرة" فأنا أكره عباءَةَ الألقاب الفضفاضة ،و ما زلتُ أعبثُ بالكلماتِ كطفلٍ يُدهشهُ ظلّه ويخيفه ،وما زلتُ دونَ الالقاب .

‏3 رأي حول “ساق البامبو”

  1. نبض
    نبض يقول:

    رواية عميقة واكثر من رائعة ومالفت نظري فيها اكثر هو الكاتب نفسه ،كيف ابدع تفكيره في كتابة قصة مليئة بالقضايا التي تعاني منها بلده الكويت العنصرية والطوائف والسياسة الموجودة فيها مع انه من الكتاب الجدد الذي وضع له اسما وبصمة كبيرة في الادب والثقافة ، ف كم مِن مَن يكتب سطرين وثلاثة عن الحب والمرأة اسمى نفسه كاتبا وكتب قلة ادب تحت مسمى رواية “.
    اعود للمراجعة الجميلة التي كتبتيها عن رواية ساق البامبو
    رواية ممتلئة بزخم من العواطف ومشاعر الحب والشوق والحنين والكره والحب لعائلة ودولة لم تعترف به قط ،فقد صار وحيداً تائها بعد وفاة والده الكويتي الذي لم يراه ابدا يبحث عن ملامح وجهه في الصور وفي ذكريات غسان معه ،وأمه الفلبينية قد تركت الكويت وتزوجت مرة ثانية ،ولم يتبقى له سوى غسان الذي كان يعتبر عيسى مجرد حلقة للتواصل والتقرب من هند التي ايضاً وضعته لتتقرب من مراكز السياسة وتكون فيها عضوا مهماً ،،و لم يحصل حتى على ابسط حقوقه في كيفية لفظ اسمه والكل يسحبه للخيط الذي يرغبه ويحتاجه فلم يحبه أحد فقرر العودة لموطنه الفلبين ففي الكويت لم يستقبله احد بحرارة واحترام وحب من امن المطار من عائلة والده فقط لأنه بوجه فلبيني فلو كان بملامح عربي لاستقبلوه بحفاوة وحب كبيرين.

  2. شريفة الشريف
    شريفة الشريف يقول:

    السنعوسي هو أفضل روائيي العرب المعاصرين، بالنسبة إلي. أوافقك الرأي فيما ذكرتيه عن الأسلوب واللغة. ويربطني بهذه الرواية بالإضافة إلى فئران أمي حصة شريط من الذكريات التي عشتها في الكويت، استطاع الكاتب أن يرسم المجتمع بمهارة ودقة عجيبة. وبسبب صغر حجم الكويت تدور الكثير من الأحداث في أماكن زرتها شخصيا مما يضاعف إحساسي بالمتعة. بوركت أناملك عائشة 🙂

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *