تسجيل
مراجعة كتب

صلوات في هيكل الماء..قراءة في كتاب الماء والأحلام لغاستون باشلار.. 5/5 (2)

وقت القراءة : 8 د
قُرِأ النص 4842 مرة
2 تعليقات

غاستون باشلار ذو الخيال العملاق، الذي قيل عن كتبه كل سطر فيها هو قول يستشهد به، يقدم لنا دراسة عميقة عمق بحر وممتدة امتداد أفق بلا نهاية في كتابه الماء والأحلام حول الماء وأشياء أخرى، ولأن الماء المهم هو مايهمنا سنركز على سعادته فقط في هذه الصلاة .. إنه-غاستون باشلار- يصوره -الماء- كعالم شاسع بعيون كعيون المها في الاتساع ليتأمل هذا الماء العالم الأوسع ويقتات من الجمال المكنون المبثوث على جنبات حدائق نصوصه المنتشرة في كل اتجاه.. هذا الجمال المستمد من عيون الماء عينه الذي يغطي ثلاثة أرباع هذا العالم ..
إنه يقدمه بطراوة عذبة عذوبة الحياة.

يقول ما معناه: الماء له موسيقى تبث أنغامها في المناظر الخرساء فيراها تشدو من ألقى عصا السمع وأصاخ عمق الإحساس لها.. ونوطاتها تعلم العصافير والبشر الغناء والكلام وتكرار القول.. رقراقا جاريا كان هذا الماء كماء نهر أو ماء شلال.. أو كان هذا الماء عاشقا أو عميقا أو حتى راقدا يستريح في بحيرة أو بحر..
فإنه يشدو أنغاما كأنغام قيثارة أورفيوس أو أبعد..
غاستون باشلار المفعم بالصور والكلمات والأنغام غرد في مكان ثان من الكتاب بإيقاع أغنية ساقية باقية أو أغنية طائر التم الأخيرة: الماء يرى ،الماء يحلم، يحلم في عيوننا، الماء أيضا يفكر.. إنه كائن ذو جسد ندي، الماء نداوة تحولت إلى إسم..
قال: الماء مادة نراها في كل مكان تولد وتتعاظم
قال: قرب الماء، وفوق الماء، نتعلم السباحة على الغيوم، السباحة في السماء
قال: تكفي قطرة ماء واحدة لخلق عالم وإذابة الليل
قال: فأن نتأمل الماء، يعني،تماما، أن نسيل، أن نذوب، أن نموت.
قال: إن حكاية الماء حكاية بشرية عن ماء يموت.
قال:الماء بانعكاساته،يضاعف العالم والأشياء.
قال: الماء الخارق، الماء الذي يدهش المسافر سيكون إذا دما لا إسم له، دما لا يسمى..
قال: الماء وحده يستطيع النوم محتفظا بالجمال، الماء وحده يستطيع الموت ثابتا، محتفظا بانعكاساته
قال: الماء يحمل إلى البعيد، الماء يمضي كالأيام….
هكذا نسقنا هذه الباقة لكي نبرهن على أن الماء استحوذ على كون غاستون باشلار في هذا الكتاب كما استحوذ من قبل على الكون الأكبر، فكان بداية كل شيء، ويكون النهاية أيضا إذا ما يوما غاب هذا الماء عن الحياة.

اقرأ أيضاً: أديان الهند الكبرى

ولأنه يعرف تمام المعرفة أن “روح الشاعر شديدة الارتباط بالماء، ومن الماء نفسه يجب أن تولد نيران الهوى” هكذا كتب.. فإننا نراه يغير مادته ونغمته عندما يحدث عن الماء في صور الشعراء، هؤلاء الحالمون الكبار فيهمس ربما ليشد الإنتباه أكثر، ربما لأنه يعتقد مادام يحدث من قلبه، عن هؤلاء الكبار، قلب القاريء وعقله بمحبة، المحبة تمحي المسافة فتفرض الهمس.. قال هامسا بوهج يشبه وهج قيتارة إيول عندما يكون هادئا وفي حال استرخاء تام (لنتذكر إيول رب الرياح عند الإغريق والرومان) :
“أقل زفرة…أزفرها…قد تأتي تسلبني…ما كنت أعبد…على صفحة المياه الزرقاء والصهباء..” بول فاليري
“زهرة متواضعة مهملة…حانية جمالها على مرآة الموجة…لتدنو عشقا من صورة ذاتها المحزونة…” كيتس
“ها هنا قد نتيه…وإذ وجهي في الماء الصافي أرى…شجرة وحيدة تغني…تصقل حصى…
وتعكس الأفق” إيلوار
“يا مرآة..يا ماء بردك السأم في إطارك الجامد.. كم مرة وطيلة ساعات مكدرا… …. ظهرت فيك كظل بعيد..” مالارميه
“الماء كذلك هو نظرة الأرض،وجهازها لمشاهدة الزمن..” بول كلودل
“كان الماء الشفاف ينساب تحت الغرانيت الأملس أو فوق الزبد الناصع في خط، حدته ترهب العين وتبهجها في آن معا” ادغار آلان بو
“إذا صارت النفوس ماء تموت..” هيرقليطس
“الماء جسد محروق..” بلزاك
“الماء نار مبللة..” نوفاليس

يا لها من عظمة مدهشة، نراها تمتلكها هذه القبسات، صور الماء هذه التي تذهب رأسا إلى قلب حالم مثلي ومثلك إن كنت حالما، بالقوة التي رماها بها قوس باشلار، رماها فأصاب.. إنا نراه كشاعر ينطلق في أحلامه من المرآة لينتهي إلى الينبوع، نراه أخذ نورها وصنع عالما من خيال، ذلك الخيال الذي يضيف الصور إلى الواقع ليغيره ويغنيه ومن ثم يغيرنا ويغنينا بحسب تعريف محيي الدين بن عربي للخيال الخلاق..

بعد أن بللننا أيادينا بأنغام ما قال باشلار وإليه أشار.. ورطبنا شفاهنا بهناء أشعار الكبار.. أليست بكم رغبة مثلي في بعض الاستحمام في فن كلام الماء ؟
كم عميق هو كلام الماء ..
وهو من عميق إلى أعمق ينساب “إنه محيط من الأحلام على محيط المياه الساكن” إذا نستعير الومضة من جول ميشليه.. كلام عندما يشرد خاطرك في حروفه أعدك، لم تعد تدرك أين تبدأ حكايات الوصف عنده ، وأين تنتهي حيوات السرد المتجاورة.. إنك تجد نفسك تسبح، كما يقول لامارتين مبدع قصيدة البحيرة الشهيرة، في الأثير الخالص وتتلاشى في المحيط الكوني، حتى إنه يضيف، و فرحك وأنت تسبح غير متناه ومتألق..
يحكي السيد الكبير باشلار فيقول:” الماء سيد اللغة السائلة، اللغة غير المتعثرة، اللغة المتواصلة، اللغة التي تجعل الإيقاع منسابا، التي تمنح الإيقاعات المختلفة المادة المتجانسة” ،ونراه يضيف، “شعر يجري من ينبوع” .. هكذا هي لغة الماء، الماء سائل والسيولة لغة قائمة بذاتها، وإذ نختصر أكثر يمكن أن نقول: كلام الماء لغة جاعلة نفسها ماء، كما يقول أحدهم.. كلام الماء رطب طري نقي مزهر ناعم اللون إذا كان يوما للكلام لونا.. قد يشبه غناء الشحرور الذي يصفه باشلار فيقول، إنه بلور يسقط وشلال يموت..
ويبقى للساقية والنهر والشلال كلاما يفهمه البشر بشكل طبيعي، يؤكد باشلار، وفقط على البشر أن يحسن الإصغاء..

كان غاستون باشلار في كتابه الماء والأحلام، كان كأرغوس بمئة عين متأملا ومراقبا الماء..(ولنتذكر أن أرغوس شخصية يونانية تحكي الأسطورة أن له مئة عين)..
كان باشلار فيلسوفا فنانا..
باختصار، كتاب الماء والأحلام جمال صاغه الماء وصقلته الأحلام.. وأنت تقرأ الماء والأحلام تشعر أن القراءة إستمرار لأحلام يقظة، لهذا يطول تأملك، لهذا تغزو سمواتك الصور والكلمات، كلمات باطنها كظاهرها مياهها قطوف دانية من أنغام وأشعار ..
وآخر ثان، كان الماء، هذه الموسيقى، هذه اليقظة في الطبيعة، هذا الكلام، ينزه أنغامه، وشعره وحروفه بين دفتي هذا الكتاب الذي يشبه الطاووس الفتان ..
وآخر أخير، وأنت تقرأ كتاب الماء والأحلام تحس أن الماء مياه رقراقة: ماء الشعر، ماء المسرات، ماء الألم، ماء الحسرات، والماء الذي لا يزبد، و ماء الكآبة، وماء الموت …
هذا الماء كناي يقود روح قراءتك وتجمعه -هذا الروح- الأحلام على طول درب الكتاب ..

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة Ahmed Elmaataoui

مغربي من مواليد يناير 1974.. حاصل على شهادة الميتريز في الكيماء التحليلية شاعر و ناقد .. صدر لي ديوان "أغبط الماء" 2008 و ديوان "بوجع ..أعانق المستحيل"2016

رأيان حول “صلوات في هيكل الماء..قراءة في كتاب الماء والأحلام لغاستون باشلار..”

  1. المتشائل يقول:

    الماء ..ذاك المنساب “كالنار المحروقة”.
    من أجمل المواد التي قرأتها على “هواء” اطلاقاً.. شكراً أحمد

    1. أحمد المعطاوي يقول:

      تشرفت وتشرفت مادتي بقراءتك.. سيدي
      مودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *